الصحافة .... ولغة العصر
أرحب بزوار المنتدي وأهلاً وسهلاً بكم ......... أرجو أن ينال المنتدى إعجابكم
ساهموا معي لنرتقي بالمنتدى

*أهمية المصالحات الوطنية العربية.. المغرب أنموذجاً*

اذهب الى الأسفل

*أهمية المصالحات الوطنية العربية.. المغرب أنموذجاً*

مُساهمة من طرف راوية رياض الصمادي في الخميس مايو 27, 2010 3:53 pm


د. إمحمد مالكي - الأوان الكويتية

ينهض مفهوم «المصالحة الوطنية» على جملة مستلزمات من طبيعة سياسية وثقافية وقيمية. فمن جهة، تتحقق المصالحة في وضع سياسي موسوم بالانفتاح، والحوار، والحرية، والتسامح. كما يشترط، من جهة أخرى، ثقافة تُنزّل الاعتراف بالأخطاء، والبوح بالأضرار، والجهر بالانتهاكات، منزلة الصدارة في التفكير في دينامية المصالحة. ويقتضي، في مستوى ثالث، نظاماً قيمياً ناظِما للدولة والمجتمع، من سماته الوفاء بالالتزامات، وربط القول بالفعل، وتجنب تكرار الأخطاء والممارسات الجسيمة، والسعي الدؤوب إلى جعل الدولة بيتاً للجميع، دون حق الأفراد والجماعات في الاختلاف، أو تأجيج الصراعات لتعميق واقع الفتنة، وتعريض الدولة والمجتمع للضعف والتفكك.

لذلك، تعدُّ المصالحة الوطنية درجة سامية في نضج المجتمع، واكتمال رُشد الدولة والمؤسسات، وتطور الثقافة السياسية، واستقامة ممارستها. فمن هذه الزاوية بالذات، بدت نظم سياسية عربية كثيرة في حاجة ماسة إلى استنبات مفهوم المصالحة في واقع مجتمعاتها، وإشاعة روحه في مؤسسات الدولة وسلوكيات الأفراد، بل إن بعضاً من هذه الأقطار، إما قطع مراحل مهمة في تكريس المفهوم واختبار نتائجه، كما هو حال المغرب الأقصى، أو طرحه على النقاش المؤسساتي (الجزائر)، في حين ظلت دول أخرى تلوِّح إلى المفهوم دون أن تشرع في إنجازه فعلاً على صعيد الواقع، كما هو الشأن في السودان، ولبنان، والعراق، وسورية.

يقدم المثال المغربي حالة متفردة في البلاد العربية، بغض النظر عن ميزان ما تحقق، وما لم يتحقق في مشروع المصالحة الوطنية. فقد عاش المغرب، على امتداد ثلاث وأربعين سنة (1956 - 1999)، مرحلة صراع حاد بين الدولة والقوى السياسية الوازنة في المجتمع، لاعتبارات خاصة بفلسفة إعادة بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال (الدستور، آليات ممارسة السلطة، الحريات العامة، المشروع المجتمعي العام). ولأن تحقيق الاستقلال، وهذه ميزة ينفرد بها المغرب، كان ثمرة نضال مشترك بين الملكية والحركة الوطنية، فقد كان طبيعياً أن تطالب النخبة الوطنية بدور مركزي في رسم إستراتيجية إعادة بناء النظام السياسي بعد الاستقلال مباشرة، ما يعني أن تكون السلطة مقتسمة بين الطرفين. وحيث إن السياسة بطبيعتها حمالة الاختلاف والتناقض أحيانا، ولأن إدارة الاختلاف كانت واطئة في ثقافة الدولة والفاعلين السياسيين على حد سواء، فقد خلقت حالة من التوتر المستدام، أدخلت البلاد نفقاً من العنف الدائري، كانت نتيجته حصول انتهاكات جسيمة في حريات المواطنين وحقوقهم الفردية والجماعية، بل إن مناطق ومحافظات برمتها نالت نصيبها الكبير من مظاهر التهميش والإقصاء.

بيد أن المغرب، مع العشرية الأخيرة من القرن العشرين، وفي سياق مسلسل الإصلاحات التي أقدم عليها، انتبه إلى خطورة استمرار منطق التوتر على السلم المدني والاجتماعي، فشرع في إعداد شروط المصالحة الوطنية التي اعتبرها خطوة أولى لإنجاح الإصلاحات، فكان إعلانه الرسمي بالانتساب إلى المرجعية الدولية لحقوق الإنسان (دستور 1992)، وإحداث المحاكم الإدارية (1993)، ووزارة حقوق الإنسان، والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان (1994)، وبعدها أحدث اللجنة المستقلة للتحكيم في قضايا التعويض (1999)، وديوان المظالم (2001).


غير أن الخطوة الأبرز في مشروع المصالحة الوطنية تكمن في إنشاء «هيئة الإنصاف والمصالحة» (2004) التي كُلفت على غرار اللجان الدولية المشكلة في إطار العدالة الانتقالية، بتسوية ملف الانتهاكات الجسيمة الممتدة من 1956 وإلى غاية 1999، من خلال القيام بمسوحات لمعطيات ووقائع هذه الحقبة، والاستماع إلى شهادات الضحايا أو عائلاتهم، والبث العلني عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة لجلسات الاستماع في أكثر من محافظة مغربية، وتسوية آلاف ملفات التعويض المادي عن الضرر (9280 ملفا من أصل 16861)، وجبر الضرر الجماعي، وإعادة الإدماج الاجتماعي والنفسي لضحايا الانتهاكات، وتأهيل المناطق والجهات التي شملها التهميش والإقصاء، وحفظ الذاكرة السياسية.

ولعل البارز في تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، صياغتها تقريراً عاما من مئات الصفحات، رصدت فيه حصيلة عملها، وأبانت الإصلاحات العامة الواجب إنجازها كي لا تتكرر تجربة الانتهاكات الجسيمة، وبغية بث قيمة المصالحة في روح الدولة ومؤسساتها، ووعي ووجدان المجتمع.. إن الطريق مازال طويلاً أمام التجربة المغربية، لكن من المؤكد أن المغاربة دشنوا سجل المصالحة مع تاريخهم، وهم يتنافسون، ويجتهدون، ويتعلمون من الأخطاء، من أجل القطيعة مع ما دأبوا على تسميته في تواصلهم وكتاباتهم «سنوات الرصاص».

avatar
راوية رياض الصمادي
المجلس الإداري

الميزان
القط
عدد المساهمات : 2009
نقاط : 349893
السٌّمعَة : 0
تاريخ الميلاد : 11/10/1975
تاريخ التسجيل : 16/03/2010
العمر : 42
الموقع : الأردن
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : صحفية

http://rawyariadsmadi.ibda3.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى